المشاركات

إله أرسطو وإله الكتاب المقدس

إن ما يسمى باللاهوت الطبيعي هو مسعى باطل، إن كان المقصود بذلك هو أن الإنسان يحتاج إلى براهين فلسفية لإثبات وجود الله. ذلك لأن "معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم" (رو ١ : ١٩)، بدون مجهود أو فلسفة. هي شيء خُلِقَ به الإنسان، وليس شيء يتوصل إليه الفيلسوف. وأشهر البراهين المستخدمة في اللاهوت الطبيعي هي البراهين الخمس الكلاسيكية على وجود الله لتوما الأكويني والمؤسسة على المتيافيزيا الأرسطية. ورغم أن الأكويني قام بتعديل الإله الذي ينادي به أرسطو لكي يتم توفيقه بإله الكتاب المقدس، إلا أن إله أرسو يظل مختلف جذريًا عن إله الكتاب المقدس. في السطور الآتية سأستعين بتلخيص اللاهوتي المصلح والفيلسوف جون فريم حول إله أرسطو وسأعقب ذلك بتعليق نهائي. أحد الحجج الخمس الكلاسيكية على وجود الله هو ما يُعرف بـ برهان الحركة. وطبقًا لهذا البرهان، فإن كل ما يتحرك تم تحريكه بقوة أخرى. إن أي جسم يتحرك يتحول من احتمالية الحركة إلى الحركة الواقعية من خلال التأثير عليه بتلك القوة. لكن كل الحركة الموجودة لا يمكن إرجاعها إلى ما لا نهاية. أي لابد أن يكون هناك محرك (أولي) لا يتحرك، ومتحقق بالفعل، أبدأ كل...

هل ينبغي رفض المصطلحات اللاهوتية لأنها لم ترد في الكتاب المقدس؟

البروتستانتي الشرقي المعاصر مغترب عن التاريخ الكنسي، مع أنه مدين بالفضل إلى هذا التاريخ بشدة. البعض يرفضون المصطلحات اللاهوتية بحجة أنها لم ترد في الكتاب المقدس. في حين أنهم يستعملون مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس ولكنها متعلقة بعقائد خطيرة. على سبيل المثال، أول من استعمل مصطلح "ثالوث" باليونانية Trias للتعبير عن الأقانيم الثلاثة في وحدة جوهرية كان ثاؤفيلس الأنطاكي (تقريبًا 180 م.). ثم بعده بقليل صاغ ترتليانوس مصطلح Trinitas اللاتيني ليعبر عن نفس المفهوم. بالإضافة إلى ذلك صك ترتليانوس مصطلحات أخرى مثل Persona والتي يقابلها أقنوم بالعربية، و Substantia والتي يقابلها جوهر. كمثال آخر لمصطلح غير موجود في الكتاب المقدس ولكن تم صياغته للتعبير عن مفهوم كتابي هو مصطلح الخطية الأصلية peccatum originale . وقد صاغه أغسطينوس (في القرن الرابع) في شرحه لرسالة رومية للإشارة إلى مفهوم الفساد الموروث. على الرغم أن مصطلحي "الثالوث" و"الخطية الأصلية" لم يردا في الكتاب المقدس، إلا أن المفهومان موجدان بوضوح فيه. وهما مصطلحان يعبران عن مفهومان جوهريان في الحق المسيحي وربما ل...

سي إس لويس يُعَلِّم بأن المسيح أخطيء التنبؤ حول مجيئه الثاني

في مقاله المعنون "ليلة العالَم الأخيرة"، يصرح سي إس لويس بأشياء خطيرة عن عصمة المسيح كإنسان وذلك فيما يتعلق بمصداقية ومدى تحقق نبوته "لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله". فضلاً عن أني قرئت هذا الفصل مرتين، واستمعت له مقروءً مرتين، سأضع تصريحات لويس الخطيرة في السياق الذي جائت فيه حتى لا أُتَّهَمُ بأني أقتطعها من سياقها. يقول لويس عدة أشياء إيجابية وصحيحة لاهوتيًا في هذا الفصل. فهو يرى أن عقيدة المجيء الثاني للمسيح لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. وأن لها أهمية عملية في حياتنا كمسيحيين. وبينما يناقش لويس تصريحات المسيح حول مجيئه الثاني في ضوء كتابات أبوكاليبسية (نهاية العالم) معاصرة للمسيح، مثل "رؤيا باروخ"، و"سفر أخنوخ"، و"صعود إشعياء"، إلا أنه يؤكد على عدم إمكانية وضع هذه الكتابات على قدم المساواة مع الأسفار القانونية. ليس ذلك فقط، بل تَشَكَّكَ لويس أيضًا في التطور الدارويني واضعًا المسيح في تضاد مع داروين. ففي حين تدعو الداروينية إلى تطور أو تقدم البشرية، فإن تعليم المجيء الثاني يعني أنه سَيُسْدل الستار فجأة على التاريخ العالمي في مشهد ...

هل مات المسيح لأننا مستحقون أم مات ليجعلنا كذلك؟

إن الادعاء بأن المسيح مات عنا لأننا مستحقون، أو لأنه رأى فينا جمال ما أو قيمة ما، هو تعبير ضد كل من النصوص الكتابية، وضد اللاهوت الكتابي. وكمثال على نص كتابي يعلّم بأن المسيح مات ليس لأننا مستحقون بناء على قيمتنا أو جمالنا، لكن بالرغم من عدم استحقاقنا، بل ولكي يجعلنا مستحقين: "الجميع زاغوا وفسدوا [صاروا بلا قيمة، بلا استحقاق] معًا. ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحد" (رو ٣: ١٢). الكلمة اليونانية (ἀχρειόω) والتي ترجمها فانديك "فسدوا"، تُرجمت في الترجمات الإنجليزية الحديثة والمحافظة إلى (worthless)، أي "بلا قيمة". إن هذا المعنى يأتي كصدمة لكل الذين ينادون بأن المسيح صُلب من أجلنا لأنه رآنا مستحقون موته، أو أنه رأى فينا قيمة ما أو جمال ما. لكن، لم يمت المسيح عنا لأننا مستحقون موته، بل لكي يجعلنا مستحقون. وكمثال لنص كتابي آخر، يقول بولس أيضًا أن المسيح مات ليس لأننا مستحقون، بل بالرغم من عدم استحقاقنا: "فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت. ولكن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رو ٥ : ٧ - ٨). وه...

الصورة الكتابية لغضب الله

المتابع لما يُطرح على الساحة اللاهوتية يستطيع أن يرصد الكثير من التعاليم غير الكتابية عن موضوع غضب الله. ويوجد سمتان مشتركتان لتلك التعاليم؛ فضلاً عن كونها غير كتابية، فمعظمها لا تنكر أن الله يغضب. بل تقوم بإعادة تعريف ما هو غضب الله. إن الهجوم على الحق الكتابي كثيرًا ما يكون بإعادة تعريفه وليس بمجرد إنكاره المباشر. لكن، أن تعيد تعريف غضب الله هو أن تعيد تعريف المفاهيم اللاهوتية المتربطة به، ولا سيما عدل الله والكفارة ومن ثم الجحيم. إن ما تقوله عن غضب الله سيشكل ما تقوله عن العقائد الكتابية الأخرى. لهذا، فإن التأكيد على ما يقوله الكتاب المقدس عن موضوع غضب الله لهو أمر في غاية الخطورة. محاولات إعادة تعريف غضب الله إن هناك من ينفون الغضب عن شخص الله من الأساس. فبعد أن يُعَرِّف عدنان طرابلسي نظرية أنسلم للاسترضاء، ويقصد بذلك البدلية العقابية، يقول أن بها ثلاث مشاكل. والمشكلة الأولى، طبقًا له، هي "إنها مبنية على أن الله ذو خصائص بشرية: فهو يغضب، ويحقد، ويثأر، ويُهان، وتُجرح كرامته، إلخ. لكن الله لا يتغير. نظرية التكفير هذه تعني أن الله يتغير، وأن هذا التغيير سببته أعمال الإنسان! ه...

التطبيقات الرعوية لسلسة نسب المسيح في متى ١

لا شك أن مشكلة اقتطاع الآيات من سياقها مشكلة حقيقية، لكن هذا في حد ذاته ليس مسوغًا للقول أنه لا توجد أبعاد تطبيقية لأي نص كتابي. كل سفر من أسفار الكتاب المقدس كُتب لجمهور معين في ظروف معينة. لو كان المنطق أنه لا يجوز تطبيق آية بعينها علينا لأنها أتت في سياق معين، فالكتاب المقدس كله لا يلزمنا لأنه بأكمله مكتوب في سياقات معينة. صحيح أن هناك تطبيقات خاطئة، لكن هذه التطبيقات الخاطئة لا تلغي وجود التطبيقات الصحيحة. ما قيمة اللاهوت الرعوي Pastoral Theology لو لم يكن لكل نص كتابي تطبيق لحياتنا؟ خذ مثلاً نص سلسلة نسب المسيح في متى ١ والتي قد تبدو لنا بلا قيمة تطبيقية. إن أول ما يخبرنا عنه هذا النص هو أمانة الله لوعوده، وكيف حفظ الله وعوده للآباء عبر الأجيال بمجئ المخلص. إن سلسلة نسب المسيح في متى ١ تشهد أيضًا عن سلطان الله. فمن خلال إرادات البشر بالتزاوج والتناسل حقق الله مشيئته المحتومة. ولا تستطيع أن تتكلم عن سلطان الله دون أن تشير إلى قوته. هناك ملك له سلطة لكن بلا فاعلية، وهناك ملك مغتصب للسلطة بدون قانونية. لكن الله له سلطان وقوة. الله متحكم في التاريخ لأنه صاحبه. سلسة نسب المسيح...

هل غضب الله هو قلب الله المجروح كما يدعي الأخ وسيم صبري؟

صورة
جاء في الفيديو (أنظر أسفل المقال) تصريحات لاهوتية خطيرة أهمها: غضب الله هو محبة الله المجروحة؟ لماذا انتقاء محبة الله كصفة مركزية وجعلها هيرمانوتيك (قاعدة تفسيرية) لِيُفَسَّر من خلالها غضب الله؟ لم يقل الكتاب المقدس فقط أن "الله محبة". بل قال أيضًا أنه نور (١ يو ١ : ٥)، أي قداسة وبر، وإلهنا نار آكلة (عب ١٢ : ٢٩)، أي عدل وغيرة مقدسة وبر. كما أن الملائكة تغنت في كلا العهدين بقداسة الله ثلاثة مرات في رؤيا إشعياء وفي رؤيا يوحنا "قدوس قدوس قدوس" (إش ٦ : ٣، رؤ ٤ : ٨). لماذا إذًا تُعطَى محبة الله مركزية على باقي صفاته الجوهرية كالقداسة والبر والعدل والأمانة؟ لطالما علم آباء الكنيسة ورجال الإصلاح البروتستانتي بما يسمى بـ "بساطة الله". أي أنه لا تركيب في الله، فهو غير مكون من مجموع صفاته. بل الله هو صفاته. لو أخذنا مثلاً غضبه، فإن غضبه هو إعمال لصفاته مجتمعة. هو إعمال لقداسته وعدله وسلطانه ومحبته. هو تعبير عن إتساق كل هذه الصفات معًا. هو يغضب لأنه يكره الخطية، ولأنه يحب البر، ولأنه عادل لابد أن يعاقب الشر، ولأنه مطلق السلطان في خليقته فلابد أن تكون له الكلمة الأخير...