المشاركات

كيف تقرأ رسالة تسالونيكي الأولى

"وَانْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، يَسُوعَ الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي" (١ تسالونيكي ١ : ١٠) خلفية تاريخية تُعد رسالة تسالونيكي الأولى من أقدم رسائل بولس الرسول، وربما أقدم أسفار العهد الجديد على الإطلاق. ويرجح معظم الدارسين أنها كُتبت حوالي سنة 50 – 51م من مدينة كورنثوس أثناء الرحلة التبشيرية الثانية لبولس (أع 18: 1–5)، بعد فترة قصيرة نسبيًا من تأسيس الكنيسة في تسالونيكي. تأسست كنيسة تسالونيكي عندما وصل بولس إلى المدينة برفقة سيلا وتيموثاوس (أع 17: 1–4). وقد بدأ خدمته في المجمع اليهودي، حيث «حَسَبَ عَادَتِهِ» كان يحاجج اليهود من الكتب ثلاثة سبوت متتالية (أع 17: 2–3). إلا أن مدة إقامته في المدينة كانت على الأرجح أطول من ثلاثة أسابيع، إذ تشير عدة قرائن إلى ذلك؛ فقد عمل بولس أثناء وجوده بينهم لكي لا يكون ثقلًا على أحد (1 تس 2: 9)، كما أن كنيسة فيلبي أرسلت إليه معونة «مرة ومرتين» لسد احتياجاته (في 4: 16)، فضلًا عن أن عددًا من اليهود واليونانيين والنساء الشريفات آمنوا، مما أدى إلى تأسيس جماعة مؤمنة مستقرة نسبيًا (أعمال 17: 4...

كيف تقرأ رسالة كولوسي

فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ، مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ، وَمُوَطَّدِينَ فِي الإِيمَانِ. (كو ٢ : ٦ – ٧) تُقدِّم رسالة كولوسي الرد اللاهوتي الأسمى على "بدعة كولوسي" والتي حاولت التقليل من شأن المسيح عبر مزيج من التصوف اليهودي والفلسفات البشرية؛ حيث يواجه بولس هذا الانحراف بإعلان "مركزية المسيح الكونية وكفايته المطلقة"، مستخدماً لغة شمولية فريدة ترفعه فوق كل رياسة وسلطان بصفته "صورة الله" والبديل الأسمى لآدم. وبأسلوب أدبي يمزج بين الترتيل اللاهوتي المهيب والتحذيرات الحازمة، يبني بولس جسرًا بين العقيدة والسلوك، لينتقل بالقارئ من لاهوت "سيادة المسيح" في الخلق والفداء إلى التطبيق العملي في تجديد الصورة الإنسانية وتنظيم العلاقات اليومية، مؤكداً أن المسيح ليس مجرد جزء من الحل، بل هو "الكل وفي الكل". مناسبة الكتابة رسالة كولوسي هي إحدى "رسائل السجن". وقد كتبها الرسول بولس (حوالي ٦٠ – ٦٢ م) مدفوعًا بضرورة رعوية لمواجهة تيار فكري منحرف هدد الكنيسة التي لم يزرها شخصيًا بل أسسها تلميذه أبفراس. و...

كيف تقرأ سفر يونان

"فَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ»." (٤ : ١ - ٢) خلفية تاريخية يرتبط يونان تاريخيًا بزمن الملك يربعام الثاني، كما يذكر سفر الملوك الثاني ١٤ : ٢٥، حيث يُقدَّم بوصفه النبي الذي تنبأ بردّ تخوم إسرائيل واتساعها في تلك المرحلة. وهذا يعني أن يونان لم يكن مجرد نبي عابر، بل شخصية ارتبط اسمها بخطاب النجاح الوطني واستعادة القوة. فالرخاء الذي عاشته المملكة الشمالية لم يكن حدثًا سياسيًا فحسب، بل تعلق بنبوءة خرجت من فم يونان نفسه. ومن ثمّ، فإن انتقاله من إعلان خلاصٍ لإسرائيل إلى إنذار خلاصٍ محتمل لعدوها التقليدي يمثل تحوّلًا حادًا يمسّ هويته النبوية ودوره القومي. في المقابل، تشير المعطيات التاريخية إلى أن الإمبراطورية الآشورية عرفت في تلك الفترة حالة من الضعف النسبي نتيجة اضطرابات داخلية وأزمات متكررة. وبذلك فإن أي توبة جماعية في نينوى—لو اقترنت برفع الدي...

كيف تقرأ سفر عوبديا

يُعد سِفر عوبديا أقصر أسفار العهد القديم (أصحاح واحد فقط). ولا تتوافر عن كاتبه "عوبديا" (أي عبد يهوه) معلومات سيرية مؤكدة، لكنه تميز بغيرته الشديدة على العدالة الإلهية. يرجح معظم اللاهوتيين كتابته بعد سقوط أورشليم عام ٥٨٦ ق.م ليرد على غدر "أدوم" التاريخي بأخيه إسرائيل بمجئ الدينونة على أدوم. وهو ما تحقق فعلياً بزحف الأنباط الذين طردوا الأدوميين من حصونهم المنيعة بالخديعة. مما أدى ذلك لاندثار هويتهم الوطنية وتلاشيهم من التاريخ تماماً بعد عام ٧٠ م، تحقيقاً للوعيد الإلهي بزوالهم الأبدي. خلفية تاريخية رغم قصر السفر إلا أنه أثار جدلاً واسعاً بين مفسري العهد القديم حول تاريخ كتابته والحقبة التي يتحدث عنها، وذلك لعدم وجود إشارة صريحة لاسم ملك معين أو تاريخ محدد في السفر. وحول حقبة السفر تنقسم أراء لاهوتيو العهد القديم إلى رأيين رئيسيين: الرأي الأول: التاريخ المبكر (القرن التاسع قبل الميلاد) يعتقد أصحاب هذا الرأي أن السفر كُتب في عهد الملك يهورام ملك يهوذا (حوالي ٨٤١ – ٨٥٠ ق.م). إذ يشيرون إلى ما ورد في (أخبار الأيام الثاني ٢١: ١٦  – ١٧) عن هجوم الفلسطينيين والعرب على أورشلي...

كيف تقرأ رسالة فيلبي

أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. (١ : ٣  –  ٥ ) كتب بولس الرسول رسالته إلى أهل فيلبي من سجنه في روما ليشكر مؤمني فيلبي على دعمهم المادي ويوجههم نحو حياة التقوى. تتميز الرسالة بأسلوبها الشخصي والرعوي الذي يمزج بين العاطفة العميقة والتعليم العملي، مقارنة بالرسائل العقائدية الأخرى مثل رومية. يتمحور موضوعها الرئيسي حول "الشراكة في الإنجيل" كالتزام حي يجمع بين الإيمان المشترك والعمل الجماعي ومواجهة التحديات. كما يواجه بولس فيها خصوماً متنوعين، أبرزهم المتهودون، مؤكداً أن البر الحقيقي ينبع من معرفة المسيح لا من الاتكال على الجسد. ختاماً، تقدم الرسالة الفرح كقرار فكري نابع من التأمل في الحق الإلهي، وليس مجرد عاطفة متغيرة تتأثر بالظروف الخارجية. خلفية تاريخية كانت مدينة فيلبي يونانية الأصل، ثم أصبحت مستعمرة رومانية في عهد الإمبراطور أوغسطس قيصر. كما تَمَتَّعَ سكانها بحقوق المواطنين الرومان. وقد استوطن المدينة عدد ...

كيف تقرأ رسالة أفسس

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ (أفسس ١: ١٠) تُعد رسالة أفسس من أعمق رسائل بولس من حيث الرؤية اللاهوتية والتطبيق العملي. فهي لا تخاطب كنيسة واحدة فقط، بل تقدم تعليمًا عامًا عن هوية المؤمنين في المسيح، ووحدتهم معًا كجسد له. في بيئة وثنية متعددة الآلهة، يشدد بولس على اتحاد المؤمنين بالمسيح، واختيارهم فيه منذ الأزل، وبنائهم معًا كهيكل مقدس. تتنقل الرسالة بين تعليم سماوي عن رئاسة المسيح، وتطبيق عملي يظهر في حياة الكنيسة والأسرة. في هذا المقال نستعرض خلفية الرسالة، وأسلوبها، ومضمونها اللاهوتي، لنفهم كيف يدعونا بولس لأن نعيش هويتنا في المسيح واقعًا ملموسًا. الخلفية التاريخية والثقافية تقع مدينة أفسس في غرب آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، وكانت من أكبر مدن المنطقة، ومركزًا تجاريًا وثقافيًا ودينيًا بارزًا. وقد اشتهرت بعبادة الإلهة أرطاميس، التي عُرفت عند الرومان باسم ديانا، وكان معبدها في المدينة يُعد من عجائب الدنيا السبع. كما عُرفت أفسس بتعدد الأديان والعبادات الوثنية، ما جعلها بيئة معقدة وسياقًا مليئ...

تبادل الصفات كمنهج لفهم العلاقة بين طبيعتي المسيح

تمهيد لا شك أن العلاقة بين طبيعتي المسيح تُعد من أصعب المواضيع في الفهم اللاهوتي المسيحي. وقد أدّت هذه الصعوبة إلى ظهور هرطقات متنوعة من جهة، وإلى انعقاد مجامع مسكونية وصياغة إقرارات إيمان من جهة أخرى للرد عليها. ومن بين محاولات الكنيسة لفهم هذه العلاقة، تأتي مساهمة اللاهوت المصلح التي تنظّم هذا الفهم من خلال مفهوم لاتيني يُعرف بـ Communicatio Idiomatum، والذي يمكن ترجمته إلى "تبادل الصفات" أو "نسبة الصفات". وقبل شرح هذا المصطلح، يجب التنويه أولًا إلى أن تعليم تبادل الصفات يقوم على أساس عقيدة الاتحاد الأقنومي، أي اتحاد الطبيعتين — الإلهية والبشرية — في شخص واحد هو الابن. لقد اتخذ الابن منذ لحظة تجسده في بطن العذراء مريم طبيعة بشرية، بحيث تتحد الطبيعتان في شخصه الإلهي الواحد بدون انفصال وبدون امتزاج. تعريف مبدأ تبادل الصفات بناءً على ذلك، يمكن القول إن مفهوم تبادل الصفات لا يعني انتقال الصفات بين الطبيعتين في المسيح، بل هو نسبة صفات كل طبيعة إلى شخص المسيح الواحد. ما يُنسب إلى كل طبيعة على حدة يمكن أن يُنسب إلى الشخص الواحد، أي إلى الابن المتجسد. لا تنتقل الصفات من ط...