المشاركات

كيف تقرأ سفر عوبديا

يُعد سِفر عوبديا أقصر أسفار العهد القديم (أصحاح واحد فقط). ولا تتوافر عن كاتبه "عوبديا" (أي عبد يهوه) معلومات سيرية مؤكدة، لكنه تميز بغيرته الشديدة على العدالة الإلهية. يرجح معظم اللاهوتيين كتابته بعد سقوط أورشليم عام ٥٨٦ ق.م ليرد على غدر "أدوم" التاريخي بأخيه إسرائيل بمجئ الدينونة على أدوم. وهو ما تحقق فعلياً بزحف الأنباط الذين طردوا الأدوميين من حصونهم المنيعة بالخديعة. مما أدى ذلك لاندثار هويتهم الوطنية وتلاشيهم من التاريخ تماماً بعد عام ٧٠ م، تحقيقاً للوعيد الإلهي بزوالهم الأبدي. خلفية تاريخية رغم قصر السفر إلا أنه أثار جدلاً واسعاً بين مفسري العهد القديم حول تاريخ كتابته والحقبة التي يتحدث عنها، وذلك لعدم وجود إشارة صريحة لاسم ملك معين أو تاريخ محدد في السفر. وحول حقبة السفر تنقسم أراء لاهوتيو العهد القديم إلى رأيين رئيسيين: الرأي الأول: التاريخ المبكر (القرن التاسع قبل الميلاد) يعتقد أصحاب هذا الرأي أن السفر كُتب في عهد الملك يهورام ملك يهوذا (حوالي ٨٤١ – ٨٥٠ ق.م). إذ يشيرون إلى ما ورد في (أخبار الأيام الثاني ٢١: ١٦  – ١٧) عن هجوم الفلسطينيين والعرب على أورشلي...

كيف تقرأ رسالة فيلبي

أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. (١ : ٣  –  ٥ ) كتب بولس الرسول رسالته إلى أهل فيلبي من سجنه في روما ليشكر مؤمني فيلبي على دعمهم المادي ويوجههم نحو حياة التقوى. تتميز الرسالة بأسلوبها الشخصي والرعوي الذي يمزج بين العاطفة العميقة والتعليم العملي، مقارنة بالرسائل العقائدية الأخرى مثل رومية. يتمحور موضوعها الرئيسي حول "الشراكة في الإنجيل" كالتزام حي يجمع بين الإيمان المشترك والعمل الجماعي ومواجهة التحديات. كما يواجه بولس فيها خصوماً متنوعين، أبرزهم المتهودون، مؤكداً أن البر الحقيقي ينبع من معرفة المسيح لا من الاتكال على الجسد. ختاماً، تقدم الرسالة الفرح كقرار فكري نابع من التأمل في الحق الإلهي، وليس مجرد عاطفة متغيرة تتأثر بالظروف الخارجية. خلفية تاريخية كانت مدينة فيلبي يونانية الأصل، ثم أصبحت مستعمرة رومانية في عهد الإمبراطور أوغسطس قيصر. كما تَمَتَّعَ سكانها بحقوق المواطنين الرومان. وقد استوطن المدينة عدد ...

كيف تقرأ رسالة أفسس

لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ (أفسس ١: ١٠) تُعد رسالة أفسس من أعمق رسائل بولس من حيث الرؤية اللاهوتية والتطبيق العملي. فهي لا تخاطب كنيسة واحدة فقط، بل تقدم تعليمًا عامًا عن هوية المؤمنين في المسيح، ووحدتهم معًا كجسد له. في بيئة وثنية متعددة الآلهة، يشدد بولس على اتحاد المؤمنين بالمسيح، واختيارهم فيه منذ الأزل، وبنائهم معًا كهيكل مقدس. تتنقل الرسالة بين تعليم سماوي عن رئاسة المسيح، وتطبيق عملي يظهر في حياة الكنيسة والأسرة. في هذا المقال نستعرض خلفية الرسالة، وأسلوبها، ومضمونها اللاهوتي، لنفهم كيف يدعونا بولس لأن نعيش هويتنا في المسيح واقعًا ملموسًا. الخلفية التاريخية والثقافية تقع مدينة أفسس في غرب آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، وكانت من أكبر مدن المنطقة، ومركزًا تجاريًا وثقافيًا ودينيًا بارزًا. وقد اشتهرت بعبادة الإلهة أرطاميس، التي عُرفت عند الرومان باسم ديانا، وكان معبدها في المدينة يُعد من عجائب الدنيا السبع. كما عُرفت أفسس بتعدد الأديان والعبادات الوثنية، ما جعلها بيئة معقدة وسياقًا مليئ...

تبادل الصفات كمنهج لفهم العلاقة بين طبيعتي المسيح

تمهيد لا شك أن العلاقة بين طبيعتي المسيح تُعد من أصعب المواضيع في الفهم اللاهوتي المسيحي. وقد أدّت هذه الصعوبة إلى ظهور هرطقات متنوعة من جهة، وإلى انعقاد مجامع مسكونية وصياغة إقرارات إيمان من جهة أخرى للرد عليها. ومن بين محاولات الكنيسة لفهم هذه العلاقة، تأتي مساهمة اللاهوت المصلح التي تنظّم هذا الفهم من خلال مفهوم لاتيني يُعرف بـ Communicatio Idiomatum، والذي يمكن ترجمته إلى "تبادل الصفات" أو "نسبة الصفات". وقبل شرح هذا المصطلح، يجب التنويه أولًا إلى أن تعليم تبادل الصفات يقوم على أساس عقيدة الاتحاد الأقنومي، أي اتحاد الطبيعتين — الإلهية والبشرية — في شخص واحد هو الابن. لقد اتخذ الابن منذ لحظة تجسده في بطن العذراء مريم طبيعة بشرية، بحيث تتحد الطبيعتان في شخصه الإلهي الواحد بدون انفصال وبدون امتزاج. تعريف مبدأ تبادل الصفات بناءً على ذلك، يمكن القول إن مفهوم تبادل الصفات لا يعني انتقال الصفات بين الطبيعتين في المسيح، بل هو نسبة صفات كل طبيعة إلى شخص المسيح الواحد. ما يُنسب إلى كل طبيعة على حدة يمكن أن يُنسب إلى الشخص الواحد، أي إلى الابن المتجسد. لا تنتقل الصفات من ط...

كيف تقرأ سفر عاموس

"عاموس ليس مجرد نداء أخلاقي، بل إعلان عن قضاء إله قدوس على شعب نكث عهده. العدالة هنا ليست قضية اجتماعية فقط، بل قضية عهد بين الله وشعبه." (مايكل هورتون) "كان إعلان عاموس ضد الكاهن الكاذب أماصيا بمثابة نسخة مختصرة من رسالة الدينونة التي وجهها النبي للأمة بأكملها" (راجع ٧ : ١٠ - ١٧)" (جون والتون) مقدمة يختلف الباحثون حول طبيعة مهنة عاموس. إذ من خلال مقارنة النظير الأوغاريتي ugratic للكلمة العبرية "نوكيد" في (١ : ١)، والمترجمة "راعي"، استنتج الباحثون الأكاديميون أن هذا المصطلح يشير إلى مربي أغنام أو مالك قطعان ينتمي إلى الطبقة الغنية وليس إلى مجرد راعي غنم فقير كما كان يُعقتد سابقًا. إلا أنه من ناحية أخرى، سواء كان عاموس غنيًا أو فقيرًأ، فإن هذا لن يؤثر كثيرًا على فهم السفر. فهو مثلاً لم يكن من الكهنة. ولم يكن نبيًا جاء من مدرسة الأنبياء. الأمر الذي يسلط الضوء على سلطان الله في اختياره من ناحية وأصالة دعوة عاموس من قبل الرب. كما أنه من ناحية أخرى يضع عاموس في مقابلة مع فساد المنظومة الدينية (الكهنة) وتواطئها مع السلطة السياسية في بيت إيل. الخلف...

كيف تقرأ سفر يوئيل

  كيف تقرأ سفر يوئيل وَيَكُونُ بَعْدَ ذلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَمًا، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضًا وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، دَمًا وَنَارًا وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ. تَتَحَوَّلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ، وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الْمَخُوفُ. (٢: ٢٨ – ٣١) الخلفية التاريخية يحدثنا يوئيل في الأصحاح الأول منه عن ضربة جراد معاصرة له أحدثت خرابًا كبيرًا في المحاصيل لدرجة التأثير على البهائم والقطعان ( ١ : ١٨)، بل وأثرت على العبادة في الهيكل أيضًا بسبب نقص القمح المستخدم في تقدمة الدقيق ( ١ : ٩ ، ١٣) . وعلى ما يبدو أن هذا الخراب حدث على أربعة مراحل. ولكن غير معروف ما إن كان يوئيل يقصد بتلك المراحل أربعة أطوار مختلفة من حياة الجراد أم أربعة أنواع ( ١ : ٤). فيما عدا ذلك، لا يوجد بالسفر أية قرائن تاريخية تدل على تاريخ كتابته. على سبيل المثال، ليس هناك أي...

كيف تقرأ رسالة غلاطية

إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا. (٢ : ١٦) لَسْتُ أُبْطِلُ نِعْمَةَ اللهِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِالنَّامُوسِ بِرٌّ، فَالْمَسِيحُ إِذًا مَاتَ بِلاَ سَبَبٍ! (٢ : ٢١) تمهيد غلاطية هي ثاني رسالة في الترتيب بين رسائل العهد الجديد. ومع هذا فهناك الكثير من باحثي العهد الجديد يرون أنها الأولى من حيث تاريخ كتابتها. بل ويختلف الباحثون أيضًا حول ما إن كانت قد كُتبت إلى سكان شمال المقاطعة الأصليون (والمنحدرون من أصول قلطية Celtic) أم إن كانت موجهة إلى سكان الجنوب وهم ينتمون إلى المقاطعة سياسيًا فقط، وليس عرقيًا، وذلك بسبب توسيع الرومان للحدود السياسية للمقاطعة. مسألتي تاريخ الكتابة والجمهور متداخلتان. وطبقًا لكبار باحثي العهد الجديد المعاصرين، مثل شراينر وكوستنبرجر وستوت، فإن الرسالة موجهة إلى سكان الجنوب وقد كُتبت تقريبًا عام ٤٩ م. أيًا كان الرأي الذي نتخذه...