كيف تقرأ رسالة كولوسي


فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ، مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ، وَمُوَطَّدِينَ فِي الإِيمَانِ. (كو ٢ : ٦ – ٧)


تُقدِّم رسالة كولوسي الرد اللاهوتي الأسمى على "بدعة كولوسي" والتي حاولت التقليل من شأن المسيح عبر مزيج من التصوف اليهودي والفلسفات البشرية؛ حيث يواجه بولس هذا الانحراف بإعلان "مركزية المسيح الكونية وكفايته المطلقة"، مستخدماً لغة شمولية فريدة ترفعه فوق كل رياسة وسلطان بصفته "صورة الله" والبديل الأسمى لآدم. وبأسلوب أدبي يمزج بين الترتيل اللاهوتي المهيب والتحذيرات الحازمة، يبني بولس جسرًا بين العقيدة والسلوك، لينتقل بالقارئ من لاهوت "سيادة المسيح" في الخلق والفداء إلى التطبيق العملي في تجديد الصورة الإنسانية وتنظيم العلاقات اليومية، مؤكداً أن المسيح ليس مجرد جزء من الحل، بل هو "الكل وفي الكل".

مناسبة الكتابة

رسالة كولوسي هي إحدى "رسائل السجن". وقد كتبها الرسول بولس (حوالي ٦٠ – ٦٢ م) مدفوعًا بضرورة رعوية لمواجهة تيار فكري منحرف هدد الكنيسة التي لم يزرها شخصيًا بل أسسها تلميذه أبفراس. وتتمثل مناسبة كتابة الرسالة في زيارة أبفراس لبولس في سجنه بروما لنقل تقرير يمزج بين الفرح بنمو إيمان الكولوسيين والقلق من "بدعة" هجينة (خليط من معتقدات مختلفة) بدأت تتسلل إليهم. وهي بدعة كانت تدمج بين الناموسية اليهودية (كالسبوت والختان)، والفلسفات البشرية الغامضة، والنزعات الصوفية التي تنادي بعبادة الملائكة كوسطاء. لذا صاغ بولس هذه الرسالة كوثيقة دفاعية لاهوتية تهدف إلى دحض هذا الفكر عبر إعلان "سمو المسيح وكفايته المطلقة"، مؤكداً أنه ليس مجرد كائن وسيط، بل هو "صورة الله غير المنظور" و"بكر كل خليقة"، وفيه وحده يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، مما يجعل أي إضافة بشرية أو فلسفية لإيمانهم أمراً باطلاً وزائداً.

من هم خصوم بولس في الرسالة؟

واجهت الكنيسة في كولوسي بدعة مركبة تسمى أكاديميًا بـ "بدعة كولوسي". ومحاولة تحديد هوية البدعة أو خصوم بولس هي عملية على قدر كبير من الصعوبة والتعقيد. إذ يشير توم شراينر إلى صعوبة تحديد هوية "المعلمين الكذبة" في كولوسي بدقة مستعرضًا ثلاث نظريات رئيسية حول طبيعة هذا التعليم الفاسد، مرجحًا الأخيرة منها:

١– النظرية الغنوصية: كان من الشائع سابقًا القول بأن البدعة هي "غنوصية"، لكن هذا الرأي تراجع حاليًا؛ لأن التعاليم الغنوصية المتطورة لم تظهر بشكل كامل إلا في القرن الثاني الميلادي، أي بعد زمن بولس بفترة طويلة.

٢– المزيج اليهودي الوثني: تقول هذه النظرية إن البدعة كانت خليطاً من ممارسات يهودية ومعتقدات وثنية محلية، متأثرة بالسحر، وطقوس الأديان السرية الغامضة. وهو تفسير محتمل ومنطقي للكثيرين.

٣– التصوف اليهودي: يرى شراينر أن "التصوف اليهودي" هو التفسير الأكثر قبولاً لهوية بدعة كولوسي، مستنداً في ذلك إلى تركيز بولس على ممارسات يهودية صريحة كالختان (٢ : ١١)، والسبوت، والشهور الجديدة، والأعياد (٢ : ١٦)، بالإضافة إلى لوائح الأطعمة الصارمة (٢ : ٢٠ – ٢٣). كما يشير شراينر إلى أن الاهتمام المبالغ فيه بـ "توقير الملائكة" (٢ : ١٠ ، ١٥ ، ١٨ ، ٢٠) يتسق تماماً مع الفكر اليهودي في فترة "الهيكل الثاني"، حيث ادعى هؤلاء المعلمون امتلاك "معرفة خاصة" (٢ : ٤ – ٥) واتباع فرائض بشرية دقيقة، مما جعل بولس يواجه هذا التيار بالتأكيد على سيادة المسيح الذي هو "رأس كل رياسة وسلطان".

موضوع الرسالة

كما رأينا، فإن المحرك الرئيسي لكتابة بولس للرسالة هو الرد على "بدعة كولوسي" (التي هددت الكنيسة هناك). وبولس لا يناقش صراحة تفاصيل هذه البدعة لكن يواجهها من خلال إعلان سمو المسيح وكفايته ومركزيته. من الواضح إذًا أن تلك البدعة انتقصت من سمو المسيح وكفايته. إذ من خلال هذا الإعلان بتفوق المسيح وكفايته تنهار تلك الهرطقات التي تحدت إيمان الكولوسيين. من هذه المركزية ينبع كل شئ آخر في الرسالة. يقول كوستنبيرجر:

تُعد رسالة بولس إلى أهل كولوسي، ربما، أكثر رسائل العهد الجديد تمركزاً حول المسيح (Christocentric) . فهي تقدم تصحيحاً قوياً للتعاليم الفاسدة في وادي "ليكوس"، تلك التعاليم التي قللت من شأن شخص المسيح وعمله. لذا يضع بولس التأكيد، وبكل حزم، على مركزية المسيح في كل شيء. وتُحاجج الرسالة بوضوح وشغف لإثبات سيادة المسيح، وكفاية عمله للمؤمن، وتطبيق سلطانه (ربوبيته) على كل جانب من جوانب الحياة المسيحية. وبذلك، تعمل رسالة كولوسي كتحذير صارم من المشكلات الخطيرة التي تنشأ عندما ينصرف تركيز المرء عن المسيح، ويُزاح عن كونه مركز الحياة المسيحية. (كوستنبيرجر)

ولكي يصل بولس إلى هذه الغاية، أي مواجهة البدعة من خلال إعلان سمو المسيح وكفايته، نجده يستخدم لغة كونية. إذ يظهر هذا الأسلوب على الأقل بطريقتين. أولاً باستعمال مصطلحات شمولية مثل "كل" و"ملء" و"خليقة". وفي هذا يقول رايكن:

إن ما يوحد هذه الرسالة ليس خطًا دفاعيًا واحدًا، بل هو التركيز "الكريستوسنتري" (المتمحور حول المسيح) وبقوة؛ وهذا، في نهاية المطاف، هو ما تنطبع به الرسالة في ذاكرتنا. فمن زوايا عدة ومختلفة، يُرفَع المسيح عاليًا، ويُعلى من شأن ما أنجزه في الفداء بحماسة بالغة. لقد وردت كلمة "كل" ستاً وعشرين مرة، وكلمات "ملء/مملوء/بملء" ست مرات، وكلمة "المسيح" خمساً وعشرين مرة. إن موضوع "سيادة المسيح" هو الخيط الذي يربط أجزاء الكتاب ببعضها، ويأتي نشيد المسيح الشهير (١ : ١٥ – ٢٠) ليلخص هذا التأكيد ويجسده. (رايكن)

ثانيًا، تظهر أيضًا هذه اللغة الكونية من خلال ربط عمل المسيح أو بالأحرى مقابلته بآدم كرأس للخليقة الساقطة. وهنا لا نجد مقارنة صريحة بين آدم والمسيح كتلك التي نجدها في رومية ٥ أو كورونثوس الأولى ١٥. بل بأسلوب غير صريح وضمني يبرز المسيح كرأس أسمى وأنجح في مقابلة مع الرأس القديم الفاشل. يقول بنيامين جلاد:

ثمة خيط بارز ينسج ثنايا العهد القديم بأكمله، وهو حكم الله السيادي الفريد على الكون. لقد خُلق آدم وحواء ليكونوا وسطاء لهذا الحكم على الأرض، وليعملوا على بسط نفوذه إلى أقاصي المعمورة. ورغم أن السقوط قد شوه قدرة الزوجين الأولين على الحكم، إلا أن الله قد عالج هذه المعضلة باستعادة "صورة" البشرية. وقد بلغت عملية الإنقاذ هذه ذروتها في حياة ابنه وموته وقيامته. وبما أن المسيح هو "الصورة الكاملة" لأبيه، فهو يتربع عن يمينه حاكماً للكون. وفي المسيح، يتمتع المؤمنون بصورة مستردة تمكنهم من مشاركة المسيح في ملكه والقيام بدور الوساطة لهذا الحكم على الأرض. إن رسالة كولوسي تضرب على هذا الوتر بقوة، إذ يتردد صداه في كل فقرة تقريباً. ومع الهجمة الشرسة للتعاليم الفاسدة في عالم اليوم وسهولة الوصول إليها، يجدر بالمسيحيين أن يضعوا رسالة بولس هذه نُصب أعينهم وفي قلوبهم. (بنيامين جلاد)

الأسلوب الأدبي للرسالة

يتميز الأسلوب الأدبي لرسالة كولوسي بخصائص فريدة تجعلها تقف في منطقة وسطى بين رسائل بولس الكبرى؛ فبينما تتسم رسائل رومية وكورنثوس وغلاطية بأسلوب "الجدل المنطقي" الصارم والجمل القصيرة المتلاحقة والأسئلة الاستنكارية السريعة، نجد كولوسي تميل إلى أسلوب "الترتيل اللاهوتي" والجمل الطويلة المنسابة المليئة بالنعوت والمترادفات. وتظهر أوضح مقارنة في التشابه اللفظي المذهل مع رسالة أفسس، لدرجة أن البعض يصفهما بـ "الرسالتان التوأم"، إلا أن كولوسي تتسم بلهجتها "الدفاعية" الموجهة ضد هرطقة محددة، بينما تظل أفسس أكثر هدوءاً وتعميماً. أما بالمقارنة مع فيلبي، فبينما يغلب على الأخيرة الطابع العاطفي الشخصي الدافئ، تكتسي كولوسي بطابع لاهوتي "كوني" مهيب، حيث ينتقل فيها بولس من التكثيف الشعري في "نشيد المسيح" (كولوسي ١ : ١٥ – ٢٠) إلى التحذيرات الحازمة ذات اللهجة القانونية، مما يمنحها مزيجاً فريداً من العمق الفلسفي والحرارة الروحية التي تميز رسائل السجن.

بنية الرسالة وأقسامها

تنقسم رسالة كولوسي بوضوح إلى قسم لاهوتي (١ : ١ – ٢ : ٢٣) يؤسّس لكفاية المسيح ومركزيته، وقسم عملي (٣ : ١ – ٤ : ١٨) يطبّق هذه الكفاية على الحياة المسيحية، وهو نمط بولسي تقليدي. والرسالة تتحرّك من لاهوت سموّ المسيح إلى تطبيقاته العملية في الحياة:

١) التحية والصلاة (١ : ١ – ١٤): تحية رسولية وصلاة شكر تُبرز ثمر الإنجيل والمعرفة الحقيقية في المسيح.
٢) سموّ المسيح وعمله الخلاصي (١ : ١٥ – ٢٣): نشيد المسيح: سموّه في الخلق والفداء ورئاسته وكفايته المطلقة.
٣) خدمة بولس وسرّ الإنجيل (١ : ٢٤ – ٢ : ٥): دور بولس الرسولي وكشف سرّ «المسيح فيكم رجاء المجد».
٤) التحذير من التعليم المنحرف (٢ : ٦ – ٢٣): رفض الفلسفة الباطلة والناموسية والتقشّف، والتأكيد على كفاية الصليب.
٥) الحياة الجديدة في المسيح (٣ : ١ – ١٧): السلوك العملي الناتج عن الاتحاد بالمسيح وخلع الإنسان العتيق.
٦) العلاقات المسيحية اليومية (٣ : ١٨ – ٤ : ١): إرشادات للأسرة والعمل في ضوء سيادة المسيح.
٧) الخاتمة والتحيات (٤ : ٢ – ١٨): وصايا بالصلاة والشهادة وتحيات ختامية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور ماهر صموئيل يعلم بوجود خلاص خارج المسيحية

لماذا قام المسيح في اليوم الثالث بالذات؟

قد أكمل .. قد دفع الثمن كاملا