كيف تقرأ سفر عوبديا


يُعد سِفر عوبديا أقصر أسفار العهد القديم (أصحاح واحد فقط). ولا تتوافر عن كاتبه "عوبديا" (أي عبد يهوه) معلومات سيرية مؤكدة، لكنه تميز بغيرته الشديدة على العدالة الإلهية. يرجح معظم اللاهوتيين كتابته بعد سقوط أورشليم عام ٥٨٦ ق.م ليرد على غدر "أدوم" التاريخي بأخيه إسرائيل بمجئ الدينونة على أدوم. وهو ما تحقق فعلياً بزحف الأنباط الذين طردوا الأدوميين من حصونهم المنيعة بالخديعة. مما أدى ذلك لاندثار هويتهم الوطنية وتلاشيهم من التاريخ تماماً بعد عام ٧٠ م، تحقيقاً للوعيد الإلهي بزوالهم الأبدي.

خلفية تاريخية

رغم قصر السفر إلا أنه أثار جدلاً واسعاً بين مفسري العهد القديم حول تاريخ كتابته والحقبة التي يتحدث عنها، وذلك لعدم وجود إشارة صريحة لاسم ملك معين أو تاريخ محدد في السفر. وحول حقبة السفر تنقسم أراء لاهوتيو العهد القديم إلى رأيين رئيسيين:

الرأي الأول: التاريخ المبكر (القرن التاسع قبل الميلاد)

يعتقد أصحاب هذا الرأي أن السفر كُتب في عهد الملك يهورام ملك يهوذا (حوالي ٨٤١ – ٨٥٠ ق.م). إذ يشيرون إلى ما ورد في (أخبار الأيام الثاني ٢١: ١٦ 
– ١٧) عن هجوم الفلسطينيين والعرب على أورشليم ونهب بيت الملك وسبي بنيه ونسائه في عهد يهورام. ويرون أن الأدوميين استغلوا هذا الهجوم وشاركوا فيه.

ويدللون على صحة رأيهم أولاً من خلال ترتيب السفر بين أسفار العهد القديم طبقًا للترتيب اليهودي. إذ أن وضعه بين هوشع ويؤيل وعاموس (أنبياء القرن الثامن والتاسع) يوحي بأن جامعي الأسفار اعتبروه نبياً مبكراً. وثانيًا عدم ذكر بابل. فالسفر يذكر هجوماً ونهباً، لكنه لا يذكر تدميراً كاملاً للمدينة أو للهيكل، ولا يذكر إسم "بابل" أو "الكلدانيين"، مما يرجح أنه هجوم جزئي مثل الذي حدث في عهد يهورام. أخيرًا، هناك تشابه كبير بين (عوبديا ١ 
– ٩) و(إرميا ٤٩ : ٧ – ٢٢). إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن إرميا هو من اقتبس من عوبديا القديم، وليس العكس.

الرأي الثاني: التاريخ المتأخر (القرن السادس قبل الميلاد) – وهو الرأي الأكثر شيوعاً

يعتقد غالبية مفسروا العهد القديم المعاصرين أن السفر كُتب بعد سقوط أورشليم على يد بابل (سنة ٥٨٦ ق.م).إذ يتحدث السفر عن كارثة وطنية كبرى حلت بأورشليم، حيث شمت الأدوميون بخرابها ووقفوا على المفارق ليصطادوا الهاربين ويسلموهم للأعداء.

ويستند أصحاب هذا الرأي أولاً على وصف الكارثة. فالأوصاف المستخدمة مثل "يوم مصيبتهم"، "يوم هلاكهم"، "يوم الضيق" (عوبديا ١٢ – ١٤)، توحي بدمار شامل ونهائي لأورشليم، وهو ما لا ينطبق إلا على الغزو البابلي. ثانيًا: التوافق مع المزامير والمراثي. يتشابه موقف أدوم الموصوف في عوبديا مع ما ورد في (مزمور ١٣٧: ٧) "اذكر يا رب لبني أدوم يوم أورشليم القائلين هدوّ هدوّ حتى إلى أساسها"، وأيضاً (مراثي إرميا ٤: ٢١). هذا التطابق يشير إلى أنهم جميعاً يتحدثون عن نفس الحدث (سنة ٥٨٦ ق.م). ثالثًا: تشتت الشعب. يشير السفر في آية ٢٠ إلى "سبي هذا الجيش من بني إسرائيل"، مما يعكس حالة السبي البابلي بوضوح.

الاختلاف إذًا ليس مجرد اختلاف على أرقام، بل يمس كيفية تفسير النبوة. فالمدرسة التقليدية (المبكرة) تميل لربط النبوة بالأحداث التاريخية المبكرة لتعزيز فكرة أن الأنبياء تنبأوا بخراب أدوم قبل وقوعه بفترة طويلة جداً. في حين ترى المدرسة النقدية والتاريخية (المتأخرة) أن السفر هو "رثاء نبوي" استجاب لحدث الخيانة الأدومية البشع أثناء سقوط أورشليم، ليعلن أن الله سيحاسب أدوم على قسوتها ضد "أخيها يعقوب". إلا أن معظم المفسرين يميلون إلى التاريخ المتأخر (بعد ٥٨٦ ق.م)، وذلك لأن لغة السفر وقوة العبارات المستخدمة تصف فاجعة وطنية لا تضاهيها إلا حادثة تدمير أورشليم على يد نبوخذ نصر، وهي اللحظة التي ظهر فيها غدر أدوم في أبشع صوره.

الأسلوب الأدبي للسفر

يتميز سفر عوبديا بأسلوب أدبي مكثف ومؤثر، يمزج بين لغة الرثاء القوية ولهجة القضاء الحاسمة، مستخدماً صوراً جمالية ورمزية عميقة تعزز الرسالة النبوية. يبرع النبي في استخدام "التضاد الأدبي"، حيث يقابل بين كبرياء أدوم الشامخ الذي يرمز له بالسكن في "محاجئ الصخر" والتحليق "كالنسر بين النجوم" (عوبديا ٣ 
– ٤)، وبين السقوط المذل إلى حضيض الأرض، إذ يقول الرب بحسم: "مِنْ هُنَاكَ أُنْزِلُكَ" (عوبديا ٤)، واصفاً إياهم بأنهم سيصيرون "صغيرًا جدًا في الأمم" و"محتقر جدًا" (عوبديا ٢).

كما يزخر السفر بـ "الاستعارات التصويرية" المستمدة من واقع السلب، مثل صورة "سارقي الليل" و"قاطفي العنب"؛ حيث يوضح أن السارق العادي يسرق قدر حاجته فقط، وقاطف العنب يترك "خصاصة" (بقايا)، لكن دمار أدوم سيكون كلياً بحيث لا يترك شيئاً: "لو أتاك سارقون أو لصوص ليل... أفلا يسرقون قدر كفايتهم؟ لو أتاك قاطفون أفلا يبقون خصاصة؟" (عوبديا ٥). وتتجلى القوة الرمزية في تحويل المواقع الجغرافية إلى دلالات لاهوتية؛ فبينما يرمز "جبل عيسو" للغطرسة والتمرد الذي يُفحص ويُفتش ويُنهب تماماً ("كيف فُتِّشَ عيسو وفُحِصَت خطاياه؟" – عوبديا ٦)، يمثل "جبل صهيون" القداسة والنجاة والملكوت الأبدي، مما يحول النص إلى لوحة أدبية خالدة عن صراع الكبرياء البشري مع العدالة الإلهية.

موضوع السفر ورسالته

تتلخص رسالة عوبديا في تقديم رؤية لاهوتية للعدالة الإلهية، تبدأ بتشريح خطايا أمة بعينها وهي أدوم، ثم تتسع لتشمل مصير البشرية جمعاء، وذلك من خلال المحاور التالية:

١– سبب الدينونة: الغطرسة والغدر بالأخ

يتمحور سبب الدينونة في سفر عوبديا حول خطيتين أساسيتين؛ الأولى هي الكبرياء المتغطرس الناتج عن الموقع الجغرافي الحصين لأدوم في "محاجئ الصخر" (جبل سعير)، حيث ظنوا أن حصانتهم الطبيعية تجعلهم فوق المحاسبة الإلهية (عوبديا ٣). أما الخطية الثانية والأكثر بشاعة فهي الغدر بالأخ؛ إذ يوبخ الوحي أدوم ليس فقط بسبب عدائه، بل بسبب موقفه من "أخيه يعقوب" وقت ضيقه. فقد وقف الأدوميون موقف المتفرج الشامت أثناء غزو أورشليم، بل وتمادوا في الظلم بقطع الطريق على الهاربين وتسليمهم للعدو (عوبديا ١٠ – ١٤).

٢– الانتقال من أدوم إلى الأمم

بداية من العدد ١٥ وحتى نهاية السفر، يحدث تحول جوهري ومفاجئ في بؤرة التركيز؛ حيث يتسع نطاق النبوة من دينونة خاصة بأدوم إلى دينونة عالمية شاملة. يقول النص: "لأنه قريب يوم الرب على كل الأمم" (عوبديا ١٥). هنا تصبح أدوم "رمزاً" لكل القوى التي تقاوم الله وشعبه. هذا الانتقال من "الخاص" إلى "العام" يمتد عبر الأعداد الأخيرة، حيث يُعلن أن كأس الغضب التي شربها شعب الله ستشربها جميع الأمم ("يشرب جميع الأمم دائمًا... ويكونون كأنهم لم يكونوا" – عوبديا ١٦)، مما يرسخ فكرة أن أدوم هي مجرد نموذج أولي لكل تمرد بشري ضد الخالق.

٣– مبدأ المعاملة بالمثل

يُرسي عوبديا قاعدة ذهبية للعدالة الإلهية في العدد ١٥، حيث يقول: "كما فعلت يُفعل بك. عملك يرتد على أرسك". هذا المبدأ يتجلى في السفر من خلال نصوص محددة؛ فبما أن أدوم شمتت بسلب أورشليم (عوبديا ١٣)، فإن "أهل ميثاقها" سيخونونها ويسلبون كنوزها المخبأة (عوبديا ٧). وبما أنها حاولت إبادة الهاربين من إسرائيل، فإن النتيجة هي "الانقراض"؛ أي أن عملها التدميري عاد عليها بالحق، ليكون عقابها من جنس عملها (عوبديا ١٨).

٤– السياق مع "يوم الرب" واسترداد الملكوت

يرتبط سفر عوبديا ارتباطاً وثيقاً بمفهوم "يوم الرب"، وهو الوقت الذي يتدخل فيه الله بشكل حاسم في التاريخ ليرفع الظلم ويحقق العدالة، إذ يعلن النبي صراحة: "لأنه قريب يوم الرب على كل الأمم" (عوبديا ١٥). وفي هذا السياق، يمثل دمار أدوم "مقدمة" لانتصار الله النهائي؛ حيث يرتد عمل الظالمين عليهم حتى "يكونون كأنهم لم يكونوا" (عوبديا ١٦). فبينما ينتهي السفر بخراب "جبل عيسو" وانقراضه، فإنه يعلن في المقابل نجاة "بقية" في جبل صهيون بقوله: "وأما جبل صهيون فتكون عليه نجاة ويكون مُقدسًا" (عوبديا ١٧). هذا السياق الأخروي يهدف إلى طمأنة المظلومين بأن الله هو الحاكم الحقيقي للتاريخ، وأن كل الممالك المتمردة ستزول، لتتحقق الخاتمة العظيمة للسفر بظهور المخلصين وقيام السيادة الإلهية: "ويصعد مخلصون على جبل صهيون ليدينوا جبل عيسو، ويكون المُلْك للرب" (عوبديا ٢١).

المسيح في السفر

من الناحية الرمزية، يمثل "عيسو" (أدوم) الإنسان العتيق المتكبر الذي يعتمد على قوته الذاتية وحصونه الصخرية، بينما يمثل "صهيون" المكان الذي تخرج منه النجاة. المسيح يظهر هنا كالنقيض الكامل لروح أدوم؛ فبينما سقطت أدوم بسبب الكبرياء، انتصر المسيح بـ التواضع، وبدلاً من أن يشمت في سقوط الآخرين كما فعلت أدوم، حمل هو آلام الآخرين ليمنحهم النجاة المذكورة في (العدد ١٧): " وأما جبل صهيون فتكون عليه نجاة ويكون مُقدسًا".

تتجلى أيضًا رمزية أدوم كقوة مقاومة لمقاصد الله في العهد الجديد من خلال السلالة الهيرودسية. ففي العهد الجديد أيضًا نرى استمرارية مقاومة عيسو للرب وشعبه من خلال مقاومة هيرودس الملك الأدومي للرب يسوع. فهيرودس الكبير، الذي تعود أصوله إلى "إدوميا" (أدوم)، مثّل روح عيسو المتكبرة والدموية عندما حاول قتل الطفل يسوع في مهدِه بمذبحة أطفال بيت لحم (متى ٢)، خوفاً على ملكه الأرضي من "ملك اليهود" الحقيقي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدكتور ماهر صموئيل يعلم بوجود خلاص خارج المسيحية

لماذا قام المسيح في اليوم الثالث بالذات؟

قد أكمل .. قد دفع الثمن كاملا